0 / 0
12/ذو القعدة/1445 الموافق 20/مايو/2024

هل هناك تعارض بين آية ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ ‌تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ وآية﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾

السؤال: 507203

كيف ندفع الإشكال الذي يورده البعض من أنه إذا كان القرآن الكريم تبيانا لكل شيء وهدى للعالمين، فما هو وجه التوفيق بين ذلك وبين قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) آل عمران/ 7؟ وما المقصود بالراسخين في العلم؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد.

الاجابة

الحمد لله

مما هو متقرر أنّ ما قد يظهر لبعض الناس من التعارض بين بعض الآيات إنما هو فيما يظهر للبعض، لا بين الآيات في حقيقة الأمر، وسبب حصول هذا التعارض، وذلك بسبب عدم فهم الشخص لمدلولات ألفاظ النص ومعرفة تفسير الآية، أو اشتباه في الدلالة في الآيات المتشابهة، وأحياناً لعدم استيعابه للنصوص المقيِدة لما هو مطلق، أو تخصيص ما هو عام، أو ناسخ ومنسوخ ونحو ذلك.

وقد ألّف العالم المفسر الموسوعي الشيخ الأمين الشنقيطي رحمه الله كتاباً بعنوان (دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب) بيّن فيه أن ما يقع عند البعض من توهم التعارض ليس كما توهموا.

ولذا فإنه عند معرفة تفسير الآيتين الكريمتين: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ ‌تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ )النحل/89، وبين قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)آل عمران/7.

وما ذكره أهل العلم في معناهما لا نجد أي تعارض.

فمعنى قوله تعالى: (‌تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) أن الله بيّن للناس فيه ما يحتاجونه في أمور دينهم من أصول الايمان والحلال والحرام والأخلاق، وأنه واضح بيّن إما نصا على حكمه صراحة، وإما إحالة على السنة النبوية، حيث أمر الله باتباع رسوله وطاعته.

قال الطبري رحمه الله:

"وقوله (وَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ ‌تِبْيَانًا ‌لِكُلِّ ‌شَيْءٍ) يقول: نزل عليك يا محمد هذا القرآن بيانا لكلّ ما بالناس إليه الحاجة من معرفة الحلال والحرام والثواب والعقاب" ونقله عن مجاهد وابن جريج " تفسير الطبري" (17/ 278).

وقال البغوي رحمه الله: "(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا) بَيَانًا، (لِكُلِّ شَيْءٍ) يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ" انتهى من "تفسير البغوي" (5/ 38).

وقال الزمخشري رحمه الله:

فإن قلت: كيف كان القرآن ‌تبيانا ‌لِكُلِّ ‌شَيْءٍ؟

قلت: المعنى أنه بين كل شيء من أمور الدين، حيث كان نصا على بعضها وإحالة على السنة، حيث أمر فيه باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته. وقيل: وما ينطق عن الهوى. وحثاً على الإجماع في قوله وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وقد رضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته اتباع أصحابه، والاقتداء بآثارهم في قوله صلى الله عليه وسلم "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" انتهى من "تفسير الزمخشري" (2/ 628).

فكل ما يحتاجه الناس في دينهم من أحكام وحلال وحرام وأخلاق وآداب بينه لهم في الكتاب، فمنه ما ذُكر فيه تفصيلا، ومنه ما أحالهم على السنة وَمَا آتَاكُمُ ‌الرَّسُولُ ‌فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا   أو إلى العلماء فَاسْأَلُوا ‌أَهْلَ ‌الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ .

§ أما قوله تعالى (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم.....)

فهذا يفهم من سياق الآية كاملة، (‌هُوَ ‌الَّذِي ‌أَنْزَلَ ‌عَلَيْكَ ‌الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)آل عمران/7.

فالمراد بالتأويل في الآية على قولين لأهل التفسير:

  1. أنه حقيقة الأمر وما يؤول إليه، وفي هذا الحالة يكون الوقف في الآية على قوله (وما يعلم تأويله إلا الله).  فيكون المعنى أن بعض ما ذكره الله في القرآن لا يعلم حقيقة ما يصير إليه إلا الله، مثل أمو ر الآخرة وأمور الغيب، ولكن معناه معلوم.

قال البغوي رحمه الله:

ذهب الأكثرون إلى أن الواو في قوله " والراسخون " واو الاستئناف ، وتم الكلام عند قوله : ( وما يعلم تأويله إلا الله ) وهو قول أبي ابن كعب وعائشة وعروة بن الزبير رضي الله عنهم ورواية طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وبه قال الحسن وأكثر التابعين واختاره الكسائي والفراء والأخفش ، وقالوا : لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله ويجوز أن يكون للقرآن تأويل استأثر الله بعلمه لم يطلع عليه أحدا من خلقه كما استأثر بعلم الساعة ، ووقت طلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدجال ، ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام ونحوها ، والخلق متعبدون في المتشابه بالإيمان به وفي المحكم بالإيمان به والعمل" انتهى من "تفسير البغوي" (2/ 10).

  1. أن المقصود بالتأويل في الآية التفسير، فيكون المراد أن تفسير المتشابه يعلمه الراسخون في العلم، ثم بدورهم يبينونه للناس.

قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير وما يعلم تأويله إلا الله:

 للمفسرين في الوقوف على اللهمن قوله وما يعلم تأويله إلا الله قولان:

جمهورهم يقفون عندها، وبعضهم يعطف عليها والراسخون في العلم وذلك كله محتمل، فإن التأويل إن أريد به علم حقيقة الشيء وكنهه كان الصواب الوقوف على إلا الله لأن المتشابه الذي استأثر الله بعلم كنهه وحقيقته، نحو حقائق صفات الله وكيفيتها، وحقائق أوصاف ما يكون في اليوم الآخر ونحو ذلك، فهذه لا يعلمها إلا الله، ولا يجوز التعرض للوقوف عليها، لأنه تعرض لما لا يمكن معرفته،  فأهل الزيغ يتبعون هذه الأمور المشتبهات تعرضا لما لا يعني، وتكلفا لما لا سبيل لهم إلى علمه، لأنه لا يعلمها إلا الله، وأما الراسخون في العلم فيؤمنون بها ويكلون المعنى إلى الله فيسلمون ويسلمون.

وإن أريد بالتأويل التفسير والكشف والإيضاح، كان الصواب عطف  الراسخون  على  الله  فيكون الله قد أخبر أن تفسير المتشابه ورده إلى المحكم وإزالة ما فيه من الشبهة لا يعلمها إلا هو تعالى والراسخون في العلم يعلمون أيضا، فيؤمنون بها ويردونها للمحكم ويقولون كل  من المحكم والمتشابه  من عند ربنا  وما كان من عنده فليس فيه تعارض ولا تناقض بل هو متفق يصدق بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض وفيه تنبيه على الأصل الكبير، وهو أنهم إذا علموا أن جميعه من عند الله، وأشكل عليهم مجمل المتشابه، علموا يقينا أنه مردود إلى المحكم، وإن لم يفهموا وجه ذلك. ولما رغب تعالى في التسليم والإيمان بأحكامه وزجر عن اتباع المتشابه. انتهى باختصار من "تفسير السعدي" (ص122).

ومما سبق تعلم أنه لا تعارض بين قوله تعالى (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ ‌تِبْيَانًا ‌لِكُلِّ شَيْءٍ) وبين قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ).

فعلى المعنى الأول للتأويل (حقيقة الشيء وكنهه) فمعناه مبين معلوم، وعلى المعنى الثاني للتأويل (التفسير والكشف والإيضاح) فإن الراسخون في العلم يبينونه لمن اشتبه عليه..

§ أما المقصود بــ (الراسخون في العلم): فهم المتمكنون في العلم المتعمقون فيه الذين أتقنوا علمهم بحيث لا يدخل في معرفتهم شك، وأصله من رسوخ الشيء في الشيء وهو ثبوته. (انظر: تفسير السعدي" (ص122) و "تفسير العثيمين: آل عمران" (1/35).

ينظر للجواب رقم 340937

والله أعلم

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android
هل هناك تعارض بين آية ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ ‌تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ وآية﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ - الإسلام سؤال وجواب