0 / 0
13/ذو القعدة/1445 الموافق 21/مايو/2024

شبهة التعارض بين حديث طوافه صلى الله عليه وسلم على نسائه، و بين حديث الاكسال

السؤال: 487706

حديثان قرأتهم من شخص هداه الله يرمي الشبهات في كل مكان وتعليق، وقد قرأت منه حديثين بزعمه أنهما متعارضان، وللأمانة لم أجد لهما أي تفسير، وبحثت كثيراً ومطولاً حتى دخل في نفسي الشك،
الحديثان هم:
" إنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ عَنِ الرَّجُلِ يُجامِعُ أهْلَهُ ثُمَّ يُكْسِلُ هلْ عليهما الغُسْلُ؟ وعائِشَةُ جالِسَةٌ. فقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: (إنِّي لأَفْعَلُ ذلكَ، أنا وهذِه، ثُمَّ نَغْتَسِلُ).
وعن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة، قال -الرواي عن أنس- قلت لأنس: أو كان يطيقه؟ قال: "كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين"، وفي رواية الإسماعيلي: "قوة أربعين".
وقد بحثت كثيراً، ولقصر معرفتي لم أجد إجابة، سوى أن الحديثين صحيحان، فهل يتكاسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بقوة ٤٠ رجلا؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد.

الاجابة

قد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رزقه الله تعالى الكثير من القوة في أمر النكاح.

روى البخاري (268) عن أَنَس بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: ( كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ. قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَوَكَانَ يُطِيقُهُ؟ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ ).

وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ: إِنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ تِسْعُ نِسْوَةٍ.

ويشهد لهذا الخبر ما رواه البخاري (267)، ومسلم (1192) عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّهَا قَالَتْ: ( كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا ).

وبوّب عليه البخاري بقوله: " بَابٌ: إِذَا جَامَعَ ثُمَّ عَادَ، وَمَنْ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ " انتهى.

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى:

" ووجه استدلال البخاري بالحديث على أن تكرار الجماع بغسل واحد:

أن النبي صلى الله عليه وسلم لو اغتسل من كل واحدة من نسائه، لكان قد اغتسل تسع مرات، فيبعد حينئذ أن يبقى للطيب أثر، فلما أخبرت أنه أصبح ينضخ طيبا، استُدِلَّ بذلك على أنه اكتفى بغسل واحد " انتهى من "فتح الباري" (1/298).

وهذا الأمر الثابت لا يعارضه ما ورد في خبر الإكسال:

وهو ما رواه الإمام مسلم (350) عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ: ( إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الرَّجُلِ يُجَامِعُ أَهْلَهُ، ثُمَّ يُكْسِلُ هَلْ عَلَيْهِمَا الْغُسْلُ؟ وَعَائِشَةُ جَالِسَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنِّي لَأَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا وَهَذِهِ، ثُمَّ نَغْتَسِلُ ).

وله شاهد من حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ( إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ، فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَاغْتَسَلْنَا ) رواه الترمذي (108)، وابن ماجه (608).

قوله: ( ثُمَّ يُكْسِلُ ): أكسل الرجل في الجماع، إذا جامع الرجل زوجته فلم يَنزل منه المني، إما لضعف ووهن يلحقه، وإما على وجه العمد.

جاء في "القاموس المحيط" (ص1053):

" وأكْسَلَ في الجماع: ‌خالطها ‌ولم ‌يُنْزل، أو عَزَل ولم يُرِد ولدا " انتهى.

وأحاديث الإكسال هذه لا تدل على الضعف عن الجماع، فلا تعارض بينها وبين ما ورد من قوته صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أن أنّ حديث الإكسال ليس عن الرجل الذي لا يطيق الجماع ويضعف عنه، وإنما عن الرجل الذي يستطيع الجماع ويقوى عليه ويشرع فيه، لكنه لا ينزل؛ إما لعارض عرض له، أو لانصراف رغبته عن إتمامه، أو تعمده عدم الإنزال، لعدم الرغبة في الولد.

قال أبو منصور الأزهري رحمه الله تعالى:

" وفي الحديث: ( أنَّ رجلا سأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَآله، فَقَالَ: إِنَّ أحدَنا يجامعُ فَيُكْسِلُ )، معناه: أنه يَفْتُر ذكره ‌قبل ‌الإنزال، ‌وبعد ‌الإيلاج " انتهى من "تهذيب اللغة" (10 / 61).

وليس في شيء من أحاديث الإكسال نسبة الوهن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وحاشاه من ذلك؛ وإنما غاية ما هنالك ذكر "عدم الإنزال"؛ لا ذكر سبب ذلك؛ فإنه لا يتعلق به مقصود السائل؛ إنما غاية السائل أن يعلم: إذا جامع الرجل امرأته، وأولج، لكنه لم ينزل؛ هل عليه غسل؟ وهذا قدر مشترك بين صور الإكسال، وأسبابه كلها؛ فبيّن له النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد يحدث له ذلك، وهو عدم الانزال بعد الجماع، ويغتسل: ( إِنِّي لَأَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا وَهَذِهِ، ثُمَّ نَغْتَسِلُ ).

وعدم إنزال الرجل لا يلزم منه الضعف وعدم القوة، فله أسباب عدة فقد يكون عن عمد، كما مرت الاشارة إليه في كلام أهل اللغة، وقد يكون بسبب الاستعجال لأمر طارئ.

ثم إن هذا الإكسال، أيا ما كان سببه، إذا حدث مرة لرجل، فلا يعني ذلك أن يحدث له في كل مرة. فكيف إذا كان في مثل حال النبي صلى الله عليه وسلم، وتمام فحولته؛ فإنه إذا عرض عارض أوجب هذا الإكسال، لم يلزم أن يتكرر هذا العارض مرات، ولا أن تكون هذه حالة كثيرة في شأن الرجل، فضلا عن أن تكون ملازمة له. وهذا ظاهر، إن شاء الله.

الخلاصة:

لا تعارض بين الخبرين، بحمد الله تعالى، ومن زعم وجود تعارض بينهما، فسبب ذلك هو سوء فهمه لحديث الاكسال، حيث تحكّم بتعسف في معنى الاكسال، حيث تصور أنه لا يمنع الرجل عن الانزال في الجماع إلا الضعف والوهن، وهذا التحكّم باطل لغة وواقعا، بل الرجل قد يمتنع عن الانزال عن قصد وعمد، لسبب يدعوه لذلك كعدم الرغبة في الانجاب، أو بأن يستعجله أمر يعيقه عن الاستمرار في الجماع، ونحو هذا.

وسوء الفهم من أكثر الأمور التي تخيّل للناس وجود التعارض بين النصوص.

قال ابن القيّم رحمه الله تعالى:

" لا تعارض بحمد الله بين أحاديثه الصحيحة. فإذا وقع التعارض فإما أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه صلى الله عليه وسلم، وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتا، فالثقة يغلط؛ أو يكون أحد الحديثين ناسخا للآخر إذا كان مما يقبل النسخ، أو يكون التعارض في فهم السامع، لا في نفس كلامه صلى الله عليه وسلم؛ فلا بد من وجه من هذه الوجوه الثلاثة.

وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه ليس أحدهما ناسخا للآخر، فهذا لا يوجد أصلا، ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق. والآفة من التقصير في معرفة المنقول والتمييز بين صحيحه ومعلوله، أو من القصور في فهم مراده صلى الله عليه وسلم وحمل كلامه على غير ما عناه به، أو منهما معا. ومن هاهنا وقع من الاختلاف والفساد ما وقع. وبالله التوفيق " انتهى من "زاد المعاد" (4 / 213).

والله أعلم.

ينظر للجواب رقم 340937
الخلاصة

الاحالات

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android
شبهة التعارض بين حديث طوافه صلى الله عليه وسلم على نسائه، و بين حديث الاكسال - الإسلام سؤال وجواب